السهروردي المقتول جدلية الروحي والسياسي في تاريخ المسلمين

الورقة

الرابعة

السهروردي المقتول جدلية الروحي والسياسي في تاريخ المسلمين

 

  ولد السهروردي في سنة (545هـ) أو (550هـ) وتوفي سنة (587هـ) وللتمييز بينه وبين من يشابهونه في الأسم أطلق المؤرخون عليه لقب “الشيخ المقتول” ويرمون من ورائه ألا يدعوه باسم “الشهيد”، ومع هذا فإن تلاميذه لم يفهموا لقب المقتول إلا بمعنى شهيد، إنه “أبو الفتوح” يحيى بن حبش بن أميرك، ويلقب بـ (شهاب الدين) ويوصف “بالحكيم”، وقيل إنه ملقب بـ “المؤيد بالملكوت” والمشهور  بالشيخ المقتول تمييزاً له عن صوفيين أخرين هما: شهاب الدين أبي حفص عمر السهروردي البغدادي توفي (632هـ)،ومؤلف كتاب “عوارف المعارف”في التصوف،وصاحب الطريقة الصوفية المنسوبة إليه وهي الطريقة السهروردية، أما الآخر فهو “أبو النجيب السهروردي”(ت:563هـ).

  والسهروردي نسبة إلى سهرود وهي بلدة عند زنجان من عراق العجم ويعود لقبه (المؤيد بالملكوت) لما عرفه من علوم إلهية وأسرار ربانية مما رمز الحكماء عليها وأشار الأنبياء إليها. ولما أيد به من قوة التعبير عن هذه الأسرار وتلك العلوم في كتابه العظيم (حكمة الإشراق)(1).

  أما حياة السهروردي على قصرها فيمكن أن تتميز فيها ثلاثة أطوار: طور النشأة الأولى والإقامة في سهرورد، وطور الأسفار والتحصيل، وطور الاستقرار والنهاية.

الطور الأول: ولعل كل ما يُعرف عن حياته في الطور الأول منها هو أنه ولد في سهرورد وأنه قضى حياته الأولى في تلك البلدة القريبة من “زنجان” من أعمال “أذربيجان” وهنالك تلقى ثقافات دينية سواء إسلامية أم غير ذلك، وعقلـية بحثـية

وتصوفية ذوقية.

الطور الثاني: فهو لم يستقر به مقام كونه محب للأسفار، فتنقل من بلد إلى بلد، يلقى أجناساً شتى من العلماء والحكماء فيأخذ عن أولئك علمهم وعن هؤلاء حكمتهم، ويصحب الصوفية ويجالسهم ويأخذ نفسه بالتجريد وسلوك طريقهم في الرياضة والمجاهدة وفيما وصل إلى الكشف والمشاهدة، وقد تحدث “الشهرزوري” (وهو تلميذ السهروردي المخلص وخير من كتب ترجمته وجمع مصنفاته) عن السهروردي من ناحية، وعلى لسانه هو من ناحية أخرى حديثاً نتبين منه على أي وجه قضى شيخ الإشراق الطور الثاني من أطوار حياته، حيث قال الشهرزوري: كان قدس الله روحه كثير الجولان والطوفان في البلدان شديد الشوق إلى تحصيل مشارك له في علومه، ولم يحصل له، فقال في آخر (المطارحات): وهو ذا قد بلغ الشهرزوري: كان قدس الله روحه كثير الجولان والطوفان في البلدان شديد الشوق إلى تحصيل مشارك له في علومه، ولم يحصل له.

  فقال في آخر (المطارحات): وهو ذا قد بلغ سني إلى قرب ثلاثين سنة،وأكثر عمري في الأسفار والاستخبار والتفحص عن مشارك مطلع على العلوم، ولم أجد من عنده خبراً عن العلوم الشريفة ولا من يؤمن بها  وكان رحمه الله غاية في التجريد ونهاية في رفض  الدنيا يحب المقام بديار بكر، وفي بعض الأوقات يقيم بالشام وفي بعضها بالروم”(2).

  وقد اظهرنا الشهرزوري على بعض العناصر التي تتألف منها ثقافة السهروردي الفلسفية والتصوفية، فذكر أنه سافر في صغره في طلب العلم والحكمة إلى “مراغى ” وأنه اشتغل بالحكمة على (مجد الدين الجيلي) وأنه سافر إلى نواحٍ متعددة، وصحب الصوفية، واستفاد منهم، وحصل لنفسه ملكة الاستقلال بالفكر والانفراد ثم اشتغل بنفسه حتى وصل إلى غايات مقامات الحكماء ونهايات مكاشفات الأولياء(3)  .

  ومن هنا يتبين لنا أن الثقافة التي تهيأت للسهروردي كانت ذات طابعين: أحدهما طابع علمي، والآخر طابع عملي. فقوام العلمي: الفقه والأصول والكلام والحكمة النظرية، وقوام العملي: التصوف ومافيه من أعمال الرياضة، وأحوال الإرادة،وهي عند الصوفية الخلص سبيل السالك إلى تصفية نفسه وتنقية قلبه وجلو بصيرته، بحيث يصبح أهلاً لتلقي الأنوار وتجلي الحقائق والأسرار، فقد كان يبدي احتقاراً لكل مرغبات السلطان أو الأبهة الدنيوية، وكان في بعض الأحيان يلبس ثوباً واسعاً طويلاً وعمامة زاهية الألوان، وأحياناً كان يبدو على العكس من هذا، في ثياب مهلهلة، ومراراً ثالثة، كان يقنع بارتداء خرقة الصوفية.

   قد روى (ابن رقيقة) حادثة طريفة فقال: كنت أنا وإياه نتمشى في جامع “ميافاقين” وهو لابس جبة مضربة زرقاء،وعلى رأسه فوطة مفتولة،وفي رجليه زربول، ورآنا صديق لي فأتى إلى جانبي، وقال: ماجئت تماشي إلا هذا “الخربندة” فقلت: اسكت، هذا سيد الوقت شهاب الدين السهروردي، فتعاظم قولي وتعجب ومضى، وهذا النوع من عدم الاكتراث للاعتبارات الاجتماعية كان يقوم عنده على استقلال ذاتي مطلق.

الطور الثالث: على أن حياة التجوال في الطورالثاني التي كان يحياها السهروردي حيث انتهى الطور الثاني وبدأ الطور الثالث في حل وترحال حتى انتهى إلى الشام،وأقام في مدينة حلب (579هـ) ونزل في المدرسة “الحلوية”، فباحث الفقهاء وناظر أولئك وهؤلاء، وأفحمهم جميعاً بحجته وبراعته، وكان من ذلك ما كان من ضيق الفقهاء واتهامهم له، مما دعا الملك الظاهر بن صلاح الدين (صاحب حلب في ذلك الحين) إلى استدعائه، وعقد له مجلساً من الفقهاء والمتكلمين يباحثونه ويناظرونه، فإذا هو يَظهرُ عليهم ويُظهرُ فضله وعلمه وقوة حججه للملك الظاهر، فلم يكن من الملك إلا أن زاد إقباله عليه وإكباره له وإعجابه به فاشتد ضيق الضيقيين، وامتد حنق الحانقين، وإرجاف المرجفين حتى بلغ صلاح الدين، الذي صور له الفقهاء السهروردي بصورة المفسد لعقيدة الملك الظاهر ولعقائد الناس، وما فتئ الفقهاء يلحون على صلاح الدين لتشنيعهم على السهروردي، وبأنه إذا أبقى عليه أفسد اعتقاد الملك، وإذا أطلقه أفسد أية ناحية سلك، فلم يجد صلاح الدين بداً من الكتابـة إلى إبنه كتاباً يأمره بقـتل السهروردي، ويشدد عليه في ذلك ويؤكـده،

فاستفتى فقهاء حلب في الأمر فأفتوا بقتله(4) ، ويقال: أن السبب الظاهري لقتله هو قوله بإمكانية بعث رسول أو نبي آخر بعد محمد r وهذا ما يخالف النصوص الدينية، لكنه في نفس الوقت يؤكد الفكرة التي تدور حول قدرة الله ومهما يكن من إعجاب المارديني بالسهروردي وإكبار غيره له فإن هذا الإكبار وذلك الإعجاب لم يعف أحدهما أو كلاهما السهروردي من القتل، حتى حاكم حلب لم يستطع إيقاف هذا الأمر بالرغم من تعلقه وإعجابه بالسهروردي، فكيف نفذ به الحكم وعلى أي وجهٍ قتل ؟

  لقد تضاربت في هذا الأمرالأقوال، واختلفت حوله الروايات، فقد قيل:أن السهروردي لما بلغه نبأ إفتاء قتله وتحقق منه، اختار أن يحبس في مكان ويمنع من الأكل والشرب إلى أن يموت ففُعِلَ به ذلك. وقيل: أنه قتل بسيف، أو أنه حط من القلعة، وأحرق، وقيل: إنه قتل وصلب أياماً، وأصحاب هذه الروايات المختلفة: الشهزروردي في ” نزهة الأرواح “، وياقوت الحموي في ” معجم الأدباء “، وابن خلكان في ” وفيات الأعيان “… ومهما يكن من اختلاف هذه الأقوال فقد روى ابن شداد أحد المؤرخين المعاصرين للسهروردي أنه لما كان يوم الجمعة بعد الصلاة من ذي الحجة سنة (587هـ) أخرج الشهاب السهروردي ميتاً من الحبس بحلب فتفرق عنه أصحابه(5).

  لقد كانت مصنفات السهروردي كثيرة العدد كثيرة الموضوعات: فلسفية وتصوفية وإشراقية. وقد كتب بعضها بالعربية، وبعضها الآخر بالفارسية، وطائفة ثالثة منها كتبها بالعربية ثم ترجمها إلى الفارسية، وكلها يؤلف تراثاً عقلياً وذوقياً له قيمته الكبرى في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية، فقد أشار أكثر الذين ترجموا للسهروردي إلى بعض هذه المصنفات، إلا أن الشهرزوري يمتاز من بينهم بأنه هو الذي انفرد بذكر ثبتٍ لعله أن يكون أعم وأشمل لآثار السهروردي المنثورة والمنظومة فقد بلغت عنده (ثلاثة وأربعين كتاباً ورسالة)، فضلاً عما أثبته من مختارات منثورة ومنظومة تصور أسلوب شيخ الإشراق في النثر والنظم من ناحية وتعبر عن بعض مذهبه في حكمة الإشراق من ناحية أخرى…

  ونستعرض منها مايلي:

(حكمة الإشراق – هياكل النور – الغربة الغريبة – التلويحات – المقاومات – المطارحات – الألواح العمادية – تسبيحات العقول والنفوس والعناصر – كشف الغطاء لأخوان الصفا –  بعض الأدعية)(6).

  أما مذهب السهروردي في حكمة الإشراق، فما من شك في أن آثار السهروردي الكثيرة إن دلت على شيء فهي تدل على ما كان عليه ذلك الحكيم الإشراقي من ثقافة فلسفية واسعة وحكمة إشراقية رائعة، وعلى ما كان يمتاز به من نظر عقلي دقيق وذوق صوفي رقيق وليس من شك في أن كتابه الموسوم (حكمة الإشراق) هو المرآة الصادقة التي تتجلى على صفحاتها عناصر مذهبه وخصائص عقله وذوقه، ذلك لأن هذا الكتاب هو أجمع مصنفاته وأشملها لمذهبه وللعناصر الإشراقية التي يتألف منها هذا المذهب وأدلها على المعاني الحقيقية التي ينزع إليها، ويتبين هذا كله إذا عرفنا أن كتاب حكمة الإشراق ينقسم إلى قسمين: قسم تناول فيه السهروردي (المنطق) عنوانه: (ضوابط الفكر) وجعله في ثلاث مقالات: الأولى: في المعارف والتعريف، الثانية: في الحجج ومبادئـها، الثالثة: في المغالطات، و بعض الحكومات (آلية التحكيم) بـيـن أحرف إشراقية و بين بعض أحرف مشائية، و جعل القسم الأول من القسم الثاني مثابة التمهيد إذ عرض فيه لأمور هي عنده مقدمات لمطالب في القسم الثاني والذي عنوانه (الأنوار الإلهية ونور الأنوار ومبادئ الوجود وترتيبها) وهو قسم خصصه للأنوار الإلهية وقد جعله في مقالات خمس:

1- في النور وحقيقته، ونور الأنوار وما يصدر عنه أولاً.

2- في ترتيب الوجود.

3- في كيفية فعل نور الأنوار القاهرة وتتميم القول في الحركات العلوية.

4- في تقسيم البرازخ وهيئاتها وتركيباتها وبعض قواها.

5- في المعاد والنبوات والمنامات.

  فطالب الحكمة عنده لابد أن يكون على علم تام بالمنطق والفلسفة والتصوف، ولابد أن يتعاون فيه العقل والذوق، إذ العقل الذي يفكر وحده دون أن يكون له مؤيد من الذوق، ليس من الثقة فيه والاطمئنان إليه بحيث ينتفي فيه كل شك وتزول عنه كل شبهة، وآية هذا كله في مذهب السهروردي في حكمة الإشراق، هي أن هذا المذهب في جملته وتفاصيله جمع أو ازدواج وتزاوج بين الفلسفة والتصوف، أو بين الحكمة البحثية والحكمة الذوقية، ولعل أول ما يدل على أن مذهب السهروردي في حكمة الإشراق أقيم على دعائم من العقل والذوق معاً هو ما يحدثنا به السهروردي نفسه في مقدمة كتابه المذكور من أن ما حصل له لم يحصل بالفكر بل كان حصوله من أمر آخر، ثم طلب الحجة عليه حتى، لو قطع النظر عن الحجة مثلاً، ما كان يشككه فيه مشكك لأن ما يذكره من علم الأنوار، وجميع ما يبنى عليه يساعده عليه كل من سلك سبيل الله عز وجل (7) .

  ومما يحدثنا به أيضاً أن منهجه في حكمة الإشراق هو ذوق إمام الحكمة “أفلاطن” [أفلاطون] الذي يلقبه بصاحب الأيد والنور، وما يعدده بعد هذا من المصادر التي استقى منها حكمته.

  وأنها تعود لهرمس وأنبا ذوقليس وفيثاغورث، وأن هذا هو الأساس الذي تقام عليه قاعدة الإشراق في النور والظلمات التي كانت طريقة حكماء الفرس الذين يختلفون عن إلحاد “ماني”، وكفرة المجوس، وما يفضي إلى الشرك بالله تعالى، وهنا يصطنع السـهروردي في التعبير عن مذهبه في حكمة الإشراق رموزاً خاصة يدل بها على المعاني بينها مما يعكس التعبير عن مذهبه في حكمة الإشراق رموزاً خاصة يدل بها على المعاني بينها مما يعكس (علم الأنوار) فهو يأخذ بالتقابل بين النور والظلمة،ويرمز إلى الروحاني بالنوراني وإلى المادي بالظلماني، وإلى العقول بالأنوار وإلى عقول الأفلاك بالأنوار القاهرة، وإلى النفوس بالأنوار المدبرة وإلى الأجسام بالبرازخ وإلى الله بنور الأنوار، إلى غير ذلك من الرموز الكثيرة التي حفل بها كثير من مصنفاته ومنظوماته، و يظهرلنا في وضوح وجلاء على أن تسميته لحـكمة الإشراق بهذاالاسم أو باسم (علم الأنوار) إنما ترجع الى

ترجع إلى ذلك التقابل بين النور والظلمة على الوجه الذي لا يخفى وراءه تأليه النور والظلمة على مذهب زرادشت أو ماني، وإنما كل أولئك عنده رموز يعبر عن حقائق وجودية بها، وعن صلة هذه الحقائق ببعضها البعض، وتأثير بعضها ببعض،وترتيب بعضها درجات فوق بعض(8).

  ولكي نعرف منزلة حكمة الإشراق السهروردية بين الحكمتين البحثية والذوقية، فيحسن أن نقف مع شيخها عند تصنيفه لمراتب الحكماء من ناحية ومراتب طلاب الحكمة من ناحية أخرى، فالحكماء مراتب عنده:

1- حكيم إلهي متوغل في التأله عديم البحث، وهو كأكثر الأنبياء والأولياء من الصوفية أمثال أبي يزيد البسطامي والتستري والحلاج..

2- حكيم بحاث عديم التأله وهو كالمشائين من أتباع أرسطو في المتقدمين، وكالفارابي وابن سينا المتأخرين.

3- حكيم إلهي متوغل في التأله والبحث، وهذا هو الحكيم الإشراقي الذي يجمع بين الحكمتين

البحثية والذوقية (على نحو السهروردي).

4- حكيم إلهي متوغل في التأله متوسط البحث.

5- حكيم إلهي متوغل في التأله ضعيف البحث.

6- حكيم متوغل في البحث متوسط التأله.

7- حكيم متوغل في البحث ضعيف في التأله.

وليس من شك في أن أرقى هذه المراتب وأسماها هي مرتبة الحكيم الإشراقي المتوغل في البحث والتأله [ يضع الحكيم الإشراقي فوق مرتبة الأنبياء] ولعل هذا ما أثار عليه ثائرة أهل عصره، أو لنشره علم السيمياء بين العامة.

أما طلاب الحكمة فهم على مراتب أيضاً:

1-

طالباً للتأله والبحث

2-

طالب للتأله فحسب

3-

طالب للبحث فقط

  وأجود الطلاب هو من غير شك طالب التأله والبحث، ومن هنا قال السهروردي إنه كتب كتابه حكمة الإشراق، لطالبي التأله والبحث. أما الباحث الذي لم يتأله أو الذي لا يطلب البحث والتأله معاً فليس له في هذا الكتاب نصيب.

ولقد كانت حياته الروحية طلباً للعلم أو حكيماً للإشراق صورة صادقة لطالب البحث والتأله معاً من ناحية، وللحكيم الإلهي المتوغل في التأله والبحث معاً من ناحية أخرى، فإذا أوغلنا مع السهروردي في أعماق مذهبه الإشراقي ألفينا هذا المذهب يدور عنده على محور واحد هو (النور)، وألفينا لهذا النور مراتب في حقيقة أمرها هي مراتب الوجود من أعلاها إلى أدناها (فيضية)، فالمبدأ الأول لكل وجود هو النور القاهر أو النور الأول المطلق، وحقيقة النور أو ماهيته إنما هي في ظهوره وهذا يعني أن الظهور ليس صفة من الصفات التي تحمل على النور، إذ لو كان كذلك لترتب عليه ألا يكون للنور في ذاته ظهوراً ما، وأن يكون ظاهراً بشيء آخر ظاهر في ذاته وهذا محال.

  ومن هنا لم يكن للنور الأول المطلق علة أخرى غير ذاته، وكان كل ما سوى هذا النور الأول المطلق حادثاً وممكناً ومفتقراً إليه، بقدر ما هو قديم وواجب وغني،وقد عبر السهروردي عن حقيقة النور بقوله: (إن كان في الوجود ما لايحتاج إلى تعريفه وشرحه فهو الظاهر، ولا شيء أظهر من النور فلاشيء أغنى منه عن التعريف)، وإذا كان ذلك هو النور، فإن الظلمة عند حكيمنا ليست إلا عبارة عن عدم النور فحسب، ولذا رأى أن الشيء ينقسم إلى نور وضوء في حقيقة نفسه، وإلى ما هو ليس بنور وضوء في حقيقة نفسه …

  ولقد أظهرنا السهروردي على حقيقة نور الأنوار من خلال الصفات التي وصفه بها في التالي:” فنور الأنوار نور محيط لأنه يحيط بجميع الأنوار لشدة ظهوره وكمال إشراقه ونفوذه فيها بلطفه، وهو قيوم لقيام الجميع به، وهو مقدس لأنه منزه عن جميع صفات النقص، وهو الأعظم الأعلى إذ لا أعظم ولا أعلى منه بين الأنوار جميعاً، وهو قهار لأنه يقهر ما دونه من الأنوار ؛ وذلك لشدة إشراقه وقوة لمعانه، وهو غني مطلق إذ ليس وراءه شيء يفتقر إليه ولا دونه شيء يستغني عنه، وهو

قبل هذا كله وبعد هذا كله واحد “، هكذا ينتهي السهروردي إلى أن نور الأنوار يحكم طبيعته وحقيقته وأحديته إنما هو واجب الوجود بنفسه، وما عداه واجب به ومفتقر إليه ومستمد وجوده منه(9).

  وهكذا يكون الوجود بأسره عند السهروردي هو نور تتفاوت درجاته شدة ؛ وذلك لأن تجليات نور الأنوار تظهر في كل مكان فتشهد بالتالي جميع الأشياء بحضوره ويستشهد بقول الحلاج بتوحيده:

 لأنوارِ نورِ النور في الخلق أنواروللسر في سر المسرين أسرار

ويتحدث السهروردي – كابن عربي – في آلية تأليف الفتوحات وغيره من كتبه ، وعن الكشف الصوفي من خلال المنام فيؤمر بكتابة (حكمة الإشراق) الذي يقول فيه: … وقد ألقاه النافث القدسي في روعي في يوم عجيب دفعة، وإن كانت كتابته ما اتفقت إلا في أشهر لموانع السفر(10) .

  ويرسم لنا السهروردي في أبيات شعرية.. رُتَبَ المعرفة وكيفية ترقّيها فيقول:

من كان في ظُلَم الليالي سارياً 
حتى إذا ما البدرُ أرشدَ ضوءَهُ
حتى إذا انجابَ الظلامُ بأسرِه
تركَ المسارحَ والكواكبَ كلُّها 

رَصَدَ النجومَ وأوقدَ المصباحَا
تركَ النجومَ وراقبَ الإصباحَا
ورأى الصباحَ بأفقِهِ قد لاحَا 
والبدرَ وارتقبَ السّنا الوضاحَا

  وما دامت المعرفة الصوفية ذوقية وتشترط مباشرة التجربة الروحية وليست هي من العلوم(11) التي تحصّل بالتعليم والدراسة، لذا فإن المريد ليس أمامه غير سلوك الطريق الصوفي سبيلاً لهذه المعرفة(12)، فهم أصحاب أحوال لا أرباب أقوال، والصمت لديهم له ما يبرّره لأن الصوفي لا يجد في الكون ما يستحق الكلام عنه لأنه ليس حقيقياً في ذاته، إنما هو قائم بالحق.. والحق سبحانه تقصر عنه الأقوال وهذا ما عناه الصوفي لما سئل عن سبب صمته، فأجاب: يا هذا، الكونُ توهّمٌ في الحقيقة ولا تصح العبارة عما لا حقيقة له، والحق تقصر الأقوال عنه دونه، فماوجه الكلام ؟ (13)..

 

  والصمت عندهم من علامات صدق وعمق التجربة الصوفية، فمن أقوالهم: المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام(14)، والكلام يشغل القلب والصمت يلقح العقل(15).

  لكن صمت الصوفي يختلف عن صمت الزاهد، فصمت الزاهد تعبير عن حالة العزوف عن الدنيا وفرار من الذنوب التي يجلبها اللسان، بينما صمت الصوفي ينطوي على حالة معرفية عصية على التعبير ولا تستوعبها اللغة الوضعية، ولذا نلاحظ الغرابة والغموض فيما يصدر عن الصوفية من أفكار، لكن هل يعاني الصوفي في معرفته مـن هوسٍ أو هستيريا ؟.

  إن الخط الرفيع بين الصوفي والهيستيري هو في مدى عقلانية أو لا عقلانية تلك الرؤى، هذا إن أمكن الادعاء بعقلانية أي رؤى ممكنة خارج الحواس..

  فالصوفي ينطلق بالحدوس الوامضة التي عَبَرَت خبرته ويزداد تعلقه اندهاشاً بها، وبالتالي تزداد رغبته باستعادتها حداً معقولاً فيصاب بالمرض، وينحل جسده.. وربما أثر هذا النحول على قواه النفسية والعقلية، كل ذلك من أجل ومضة إشراق أخرى.

  وهذا التعلق هو أساس ألم المتصوفة الناتج عن إلحاح حواسهم بضرورة عودتهم إليها وبذلك يمكننا تفسير عباراتهم القائلة: كلما عظم الحب عظم الألم !! نتيجة إلحاح الحواس، هذا تماماً كإلحاح العاشقين لبعضهم برغبة ضرورة اللقاء، وبذلك يختل توازنهم البيولوجي فتتبدى إشارات الشحوب والوله على الأجساد(16).

  ووراء كل هذا النوع من الاتصال نوع من الوجود خلف الحواس، من خلال تلك القوى الحيوية التي لدى المتصوفة والدافعة لهم نحو هذا اللامحسوس، مما يجعل من حواسهم مجرد أداة لمثل هذا الدافع، فتظهر بذلك قدرات خارقة وأقلّها تبدياً: مواهب الشعر والإلهام التي يدعي الكثير من المتصوفة أنها نتيجة قوة دفعتها في أنفسهم، إنها لا يمكن أن تكون من عندهم، فيعزونها إلى وسيط هوأداته في الكتابة والإبداع، ولأن هذه القدرات تحت سيطرة محدودية الحواس بحال ثبات الإنسان العادي ينظر الناس إليها على أنها ضرب من الخلل النفسي، ولكن علم النفس أظهر أن النصيب الأوفى لكل فعل إبداعي يرجع إلى مدى خصب اللاشعور الإنساني(17).

  هكذا تتوطد علاقة هذه الذات المنتزعة من العالم المادي مع المطلق، ليس فقط بالتلقي منه، بل تنزع نحو الذهاب إليه والانضواء فيه، إذا لم نشأ أن نقول مع الشُطَّاح: المشاركة له ؟! وطبيعي أن يتم توطيد هذه العلاقة بين المتصوف والمطلق بالحب، كجرح مملوء بالسعادة، وهو جرح لأنه يعطل الحواس ويحرك آلامها ودوافعها، وهو سعادة لقلة مثل هذا الشعور بالتعطيل، لذلك يتمنون على مثل هذا الجرح أن لا يُشفى، ولنار الحب هذه أن تستمر بالإيقاد فتصبح نفوسهم وكأنها لم تعد مُلْكَ أجسادهم التي تخرج عن قوانين الطبيعة والوجود، في الفعل ورد الفعل لِتَعْبُرَ إلى علاقة شخصية ذوقية مع الحق(17).

Advertisements
Standard

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s